المقريزي

162

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وخرج معه عدول يوثق بهم ، وكانت لهم معرفة بعلم الخراج وكثيرا ما كان هذا الكاتب من النصارى الأقباط ويخرج إلى كل ناحية من ذكرنا ، فيحرّرون مساحة ما شمله الريّ من الأراضي مما لعله بار أو شرق . ويكتب بذلك مكلفات واضحة بالفدن ، والقطائع على جميع الأصناف المزروعة ، ويحضر إلى دواوين الباب . فإذا مضى من السنة القبطية أربعة أشهر ندب من الأجناد من عرف بالحماسة وقوّة البطش ، وعين معه من الكتاب العدول من قد اشتهر بالأمانة ، وكاتب من نصارى القبط غير من خرج عند المساحة ، وساروا إلى كل ناحية . كذلك فاستخرج مباشر وأكل بلد ثلث ما وجب من مال الخراج على ما شهدت به المكلفات ، فإذا أحضر هذا الثلث صرف في واجبات العساكر ، وهكذا العمل في استخراج كل قسط طول الزمان من كل سنة ، وكانت تبقى في جهات الضمان والمتقبلين جملة بواق . وكانت بلاد مصر إذ ذاك تقبل بعين وغلة وأصناف ، وقد عرف ذلك من نسخة المسموح الذي تضمن ترك البواقي في أيام الخليفة الآمر بأحكام اللّه ، ووزارة المأمون البطائحي ، ورأيت بخط الأسعد بن مهذب بن زكريا بن مماتي الكاتب المصري سألت القاضي الفاضل عبد الرحيم : كم كانت عدّة العساكر في عرض ديوان الجيش لما كان سيدنا يتولى ذلك في أيام رزيك بن الصالح ؟ فقال : أربعين ألف فارس ونيفا وثلاثين ألف راجل من السودان . وقال أبو عمرو عثمان النابلسي في كتاب حسن السريرة في اتخاذ الحصن بالجزيرة : أنّ ضرغاما لما ثار على شاور وفرّ شاور إلى السلطان نور الدين محمود بن زنكي بدمشق يستنجد به على ضرغام ، ويعده بأنه يكون نائبا عنه بمصر ، ويحمل إليه الخراج أنشأ لنور الدين عزما لم يكن ، فجهز ألف فارس ، وقدّم عليه أسد الدين شيركوه ، وأمره بالتوجه فأبى وقال : لا أمضي أبدا . فإنّ هلاكي ومن معي وسوء ما سمعه السلطان معلوم من هنا ، وكيف أمضي بألف فارس إلى إقليم فيه عشرة آلاف فارس ومائة سبهبد فيها عشرة آلاف مقاتل وأربعون ألف عبد ، وقوم مستوطنون في أوطانهم فرأيت حرابتهم ، ونحن نأتيهم من تعب السفر بهذه العدّة القليلة . قال : ثم أجابه بعد ذلك هذا أعزك اللّه بعد ما كانت عساكر أحمد بن طولون ما سنراه في ذكر القطائع إن شاء اللّه تعالى . ثم ما كان من عساكر الأمير أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد وهي على ما حكاه غير واحد ، منهم ابن خلكان : أنها كانت أربعمائة ألف ، ولما انقضت دولة الفاطميين بدخول الغز من بلاد الشام ، واستولى صلاح الدين يوسف بن أيوب على مملكة مصر ، تغير الحال بعض التغير لا كله . قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وستين وخمسمائة في ثامن المحرّم :